يوسف زيدان
7
إعادة اكتشاف ابن نفيس
البلدان التي تفرّق فيها ، وتسرّب إليها . . واجتمعت عندي عشرات المخطوطات من هذا التراث العظيم ، فنشرت منها أربعة ، كل واحدة منها مصحوبة بدراسة ممهّدة . وكنت أتوق دوما لعمل دراسة شاملة عن علاء الدين القرشي ، الذي أرى وضع لقبه ( ابن النفيس ) بين القوسين ، لأسباب سأذكرها في الفصل الأول من هذا الكتاب . أقول : كنت أتوق لدراسة شاملة تستجمع شتات رحلة السنوات العشر ، وتجمع الحقائق المستفادة من مطالعة آلاف الصفحات المخطوطة ، وتكشف عن جوانب علمية مهمة ، ومتوارية ، في هذه الشخصية الفريدة التي جمعت بين الطب والفلسفة وعلوم اللغة والدين . من هنا جاء كتابنا هذا ، كمحاولة مخلصة للغوص في عالم كامل من المعرفة ، ولاستكشاف مخزون هائل من العلم القديم ، لا يزال معظمه مختفيا في النسخ المخطوطة . . ولتحليل النصوص البديعة التي دوّنتها هذه العقلية العلمية الفريدة . ويأتي هذا الكتاب ختاما وابتداء . . فهو ختام لمسيرة طويلة قطعتها مع علاء الدين ( ابن النفيس ) منذ أواسط الثمانينيات من القرن الماضي : ( العشرين ) ، بغية إعادة اكتشاف أحد الجوانب المهمة من تراثنا العلمي ، وسعيا لقراءة جديدة تصوّب الأوهام التي علقت بأذهان معاصرينا بصدد شخصية ابن النفيس . وهو ابتداء لمشروع كبير ، سوف أقطعه خلال الشهور القادمة مع المجمع الثقافي بأبو ظبي ، لإصدار موسوعة الشامل في الصناعة الطبية على شكل مؤهّل ومؤهّل لدخول القرن الحادي والعشرين ، أعنى : أسطوانة مليزرة . والأمر يقتضى - قبل الدخول في تفاصيل فصول الكتاب - الإشارة السريعة في تلك المقدمة إلى أمرين : الأول ، أننا نظلم علاء الدين ( ابن النفيس ) كثيرا حينما نلخّص جهده العلمي - ونختزله - في نقطة واحدة ، هي أنه مكتشف الدورة الدموية الصغرى المعروفة بالدورة الرئوية . ذلك لأن هذا الاكتشاف لا يمثل غير ( نقطة ) من بحر إسهامات ابن النفيس العلمية واكتشافاته ، فقد اكتشف الرجل الدورتين ، الصغرى والكبرى ، ووضع نظرية باهرة في الإبصار والرؤية ، وكشف عن